التاريخ المبكر للإسلام | الحلقة 125 | بقرة موسى صفراء أم حمراء؟

أهلًا بالمُشاهدين الكرام!

مازلنا في إطار الردّ على تعليق الحلقة الماضية، ضمن سلسلة دراسة القُرآن ككتاب فُصول وقراءات في المجال الدينيّ العقائديّ

وقولنا: إنّ القراءات المُختلفة الرسمية للقُرآن ليست خاطئة بحسب السياق الذي قدّمه كلّ مُقرئ اجتهد في قراءته لرسم المُصحف

وردًا على صاحب التعليق، فلا رواية حفص عن عاصم، أو ورش عن نافع قراءة خاطئة من ناحية المنظور الذي فهمه المُقرئ

فالمسألة أبعد من هذا، فهي تُشير إلى السياق التاريخيّ الذي أتى به القُرآن الأصلي في القرن السابع الميلادي، وقدّمنا مثالًا لا نجده في القراءات المُختلفة الرسميّة

وهذا المثال ناتج عن مادّة علميّة جديدة هي مادة الفيلولوجيا، التي أخذتُها عن الدكتور “كرستوفر لوكسمبرج”

وهي أمثلة كثيرة جدًا، والمثال هو في كلمة «…لَا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ…» الآية 71 من سورة (البقرة: 71)

فعندا أهل اللّغة والفقه في العصر العبّاسي تعني لا لون فيها يُخالف لون جلدها

رغم أنّ الآية التي قبلها كما ذكرنا كانت واضحة «… يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ» (البقرة: 69)

فبالتالي فكلمة «…لَا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ…» (البقرة: 71) لا علاقة لها بلون جلد البقرة، على عكس ما أجمع عليه فُقهاء الإسلام. وإنّما هي قراءة خاطئة لرسم الكلمة من 3 أحرف. س ى ه

بالعودة إلى التوراة لفهم الإشكال وذلك في سفر العدد إصحاح 19 العدد 2 نجد عبارة «هذِهِ فَرِيضَةُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الرَّبُّ قَائِلًا: كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَأْخُذُوا إِلَيْكَ بَقَرَةً حَمْرَاءَ صَحِيحَةً لاَ عَيْبَ فِيهَا، وَلَمْ يَعْلُ عَلَيْهَا نِيرٌ» (سفر العدد 19: 2)

وبالتالي تكون القراءة الصحيحة بحسب مادة الفيلولوجيا لكلمة «…مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ…» (البقرة: 71). هي «…مُسَلَّمَةٌ لَا شُبةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ…» (البقرة: 71) جمع شبهة أي لا التباس أو عيب فيها.

والملاحظة الأخرى أنّ لون البقرة اختلف بين التوراة والقُرآن، فالتوراة تقول: بقرة حمراء، والقرآن يقول: «… يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ» (البقرة: 69)

والسؤال الذي يتبادر للذّهن هو: هل هي البقرة حمراء أم صفراء؟

لكن بالرجوع إلى التوراة كمصدر أقدم من القُرآن، نجد الكلمة العبرية واضحة، (أدوما) تعني حمراء

ربّما لأنّ اللون الأحمر أو القُرمزي يرمز إلى الدم كذبيحة، لأنّ هذه البقرة كذبيحة تطهير من النجاسة

وهي من نفس جذر كلمة أداما، بمعنى أرض أو تُراب، ومنه جاءت كلمة آدام.

ولون الأرض أو التُراب يميل نحو الحُمرة، ونحن في المغرب نُطلق عليه لفظة الحَمري. وهو نوع من التراب الأحمر،

بينما القُرآن اختار عبارة «… يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ» (البقرة: 69)، أي شديدة الصُفرة

وهي أيضًا السواد في (لسان العرب لابن منظور)، كذلك قال الفراء في تفسيره للآية 33 من سورة المرسلات. «كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ» (المرسلات: 33) أي سود الأبل

إذًا المعنى يتأرجح بين الصُفرة والسواد والمقصود هو لون البقرة العادي، أي اللون البُنّي. وكلمة بُنّي من أصل كلمة بونا، باللغة الأمهريّة، أي قهوة.

ومن المعلوم أنّ العرب المُسلمين، عرفوا البُنّ أو القهوة من الأحباش في بداية القرن التاسع الهجري بعدما انتشر تناوله كمشروب مُنعش ساخن بين صفوف مريدي الطريقة الشاذلية في اليمن على يد الشيخ “علي بن عمر بن إبراهيم الشاذلي” سنة 828 هجرية

فقد ظنّ مُعظم عُلماء الإسلام في ذلك العصر أنّه شراب مُسكر فحرّموها لمُدّة طويلة

إذًا من المُرجّح أنّ عبارة «… يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ» (البقرة: 69)، لا تعني بالضرورة اللون الأصفر أو الأسود

وإنّما البُنّي لون التراب على العموم، والتراب له أنواع وألوان كثيرة تتأرجح بين اللون الأسود بما يُسمى عندنا في المغرب بالتِرس، إلى اللون الأحمر الحمري والأصفر لون الرمل

المُلفت للنظر أن نجد أحد كبار الحاخامات في بداية القرن العاشر الميلادي، هو الحاخام “سعديا بن جاؤون يوسف الفيومى” قدّم ترجمة لكلمة أدوما أي حمراء باللغة العبرية في سفر العدد الإصحاح 19 والعدد 2 إلى كملة صفراء باللغة العربية «هذِهِ فَرِيضَةُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الرَّبُّ قَائِلًا: كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَأْخُذُوا إِلَيْكَ بَقَرَةً صفراء صَحِيحَةً لاَ عَيْبَ فِيهَا، وَلَمْ يَعْلُ عَلَيْهَا نِيرٌ» (سفر العدد 19: 2)

وهو من كبار رجال الدين اليهود في عصره وفيلسوف وفقيه فيلولوجي في اللغتين العربية والعبرية

ترجم التوراة بالتفسير للغة العربية وله مؤلّفات عديدة في اللغة والتشريع ككتاب (المواريث) وله معجم في اللغة العبرية ومناقشة في تعديل التقويم العبري، وغيرها من المؤلفات

تأثّر بعلم الكلام عند فرقة المُعتزلة وبالثقافة الإسلاميّة وربّما لهذا السبب، أو السبب الذي جعله يُترجم هذه الكلمة من الحمراء إلى الصفراء، كما جاء في سورة البقرة،

وهذا التأثير نجده جليًا في بعض الكلمات التي ترجمها من اللغة العبرية للغة العربيّة، على سبيل المثال نجد كلمة مقراه بمعنى الكتاب، ترجمها إلى كلمة قُرآن

وكلمة ميشنا ترجمها لكلمة فقه، وكلمة تلمود ترجمها إلى كلمة التحرير، وغيرها من الألفاظ

أو ربّما اختياره لهذه الكلمات كعالم من كبار عُلماء اليهود في عصره له دلالة لغويّة حقيقيّة

وما اختياره لكلمة قُرآن بدلًا من مقراه، إلّا دليلًا آخر يُضاف إلى الدلائل التي قدّمناها في حلقات سابقة عن كون القُرآن هو كتاب الفصول والقراءات Lectionarium / Lectionarius كالقريانا عن السريان والأجبية عند الأقباط ومُصحف صالوت عند الأحباش

ها هو عالم من عُلماء اليهود، عارف بالثقافة الإسلاميّة يُسمّي مقراه بقُرآن، أي (سيدو) وهو كتاب تنظيم العبادات عن اليهود

في الحلقة الماضية أشرنا بعُجالة للآية 2 «وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا ۖ وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ» (البقرة: 72)

التي ارتبطت بذبيحة التطهير في بداية سفر العدد الإصحاح 19 بالقاتل المجهول في بداية سفر التثنية الإصحاح 21 يقول العدد «إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَمْتَلِكَهَا وَاقِعًا فِي الْحَقْلِ، لاَ يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ» (سفر التثنية 21: 1)

فبالرغم من الصفات المُتطابقة لتقديم البقرة الحمراء أو الصفراء بأن تكون بلا عيب ولا يوضع النير على عُنقها نجدها في سفر التثنية لا تُقدَم كذبيحة، وإنما يُكسر عُنقها في وادي دائم السيلان، ثم يتقدّم شيوخ القبيلة التي وجد القتيل بالقُرب منها ويغسل الجميع أيديهم على هذه البقرة أو العجلة المكسورة العُنق

وهذا ما جاء في الأعداد اللاحقة من هذا السفر، بين قوسين (التثنية 21 من العدد 1 إلى 6) «إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَمْتَلِكَهَا وَاقِعًا فِي الْحَقْلِ، لاَ يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ، يَخْرُجُ شُيُوخُكَ وَقُضَاتُكَ وَيَقِيسُونَ إِلَى الْمُدُنِ الَّتِي حَوْلَ الْقَتِيلِ. فَالْمَدِينَةُ الْقُرْبَى مِنَ الْقَتِيلِ، يَأْخُذُ شُيُوخُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ عِجْلَةً مِنَ الْبَقَرِ لَمْ يُحْرَثْ عَلَيْهَا، لَمْ تَجُرَّ بِالنِّيرِ. وَيَنْحَدِرُ شُيُوخُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ بِالْعِجْلَةِ إِلَى وَادٍ دَائِمِ السَّيَلاَنِ لَمْ يُحْرَثْ فِيهِ وَلَمْ يُزْرَعْ، وَيَكْسِرُونَ عُنُقَ الْعِجْلَةِ فِي الْوَادِي. ثُمَّ يَتَقَدَّمُ الْكَهَنَةُ بَنُو لاَوِي، لأَنَّهُ إِيَّاهُمُ اخْتَارَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِيَخْدِمُوهُ وَيُبَارِكُوا بِاسْمِ الرَّبِّ، وَحَسَبَ قَوْلِهِمْ تَكُونُ كُلُّ خُصُومَةٍ وَكُلُّ ضَرْبَةٍ، وَيَغْسِلُ جَمِيعُ شُيُوخِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ الْقَرِيبِينَ مِنَ الْقَتِيلِ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْعِجْلَةِ الْمَكْسُورَةِ الْعُنُقِ فِي الْوَادِي» (تثنية 21: 1 – 6)

ومعنى ذلك أنّ الشيوخ يتبرؤون ويتطهّرون من دم هذا القتيل، ويستحقّ القاتل مصير هذه البقرة هو ومن تستّر عليه

والغريب أنّ القُرآن اعتبرها ذبيحة لقيامة الميّت من الموت، والإخبار عن القاتل وليس تطهيرًا لشيوخ القريّة القريبة

حين يقول في الآية 73 «فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ۚ كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ» (البقرة: 73)

فهذه الخاصية لا توجد في التوراة ولا في الكُتب التفسيريّة عن اليهود، ولا نعرف المصدر الذي أخذ القُرآن عنه هذه الإضافة

إلّا إذا كان يُقدّمها من باب الرمزيّة، ويُعتبر تقدمة هذا القُربان من أجل إحياء عُقول وضمائر اليهود الصلبة كالحجارة، والذي ورد في الآية 74 التي بعدها

«ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً ۚ وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ» (البقرة: 74)

وتفجير الماء من الحجارة كمُعجزة من موسى جاءت مُباشرة بعد الإصحاح الذي قدمناه في سفر العدد الإصحاح 19 أي في الإصحاح 20 والعدد 8 «خُذِ الْعَصَا وَاجْمَعِ الْجَمَاعَةَ أَنْتَ وَهَارُونُ أَخُوكَ، وَكَلِّمَا الصَّخْرَةَ أَمَامَ أَعْيُنِهِمْ أَنْ تُعْطِيَ مَاءَهَا، فَتُخْرِجُ لَهُمْ مَاءً مِنَ الصَّخْرَةِ وَتَسْقِي الْجَمَاعَةَ وَمَوَاشِيَهُمْ» (سفر العدد 20: 8).

نكتفي بهذا القدر، وإلى اللقاء في الحلقة المُقبلة!


Download text file

Early History of Islam 124

You may also like

التاريخ المبكر للإسلام | الحلقة 127 | سر ذبح بقرة موسى
أهلًا بالمُتابعين الأفاضل! لا زلنا ضمن سلسلة دراسة القُرآن، ككتاب [...]
2 views
التاريخ المبكر للإسلام | الحلقة 126 | البقرة الحمراء وبناء معبد اليهود في القدس
مرحبًا بالمُتابعين الكرام! في الحلقة الماضية تحدّثنا عن البقرة الحمراء [...]
1 views
التاريخ المبكر للإسلام | الحلقة 124 | إشكالية نص القرآن (الرد على أحد التعليقات)
أهلًا وسهلًا بكم مرّة أخرى أعزائي الكرام! في الحلقات الماضية، كنا [...]
0 views
التاريخ المبكر للإسلام | الحلقة 123 | محمد لم يأت بدين جديد
أهلًا بكُم أحِبائي الكِرام. في الحلقة الماضية كنّا تحدّثنا عن كُتب [...]
1 views
التاريخ المبكر للإسلام | الحلقة 122 | القرآن هو أجبية وقريان العرب
أهلًا بكم أعزّائي الكرام! لا زلنا ضمن سلسلة دراسة أصول القُرآن، [...]
0 views
التاريخ المبكر للإسلام | الحلقة 121 | هل يجيد الرسول القراءة والكتابة؟
أهلًا بكم مُشاهديّ الكرام! بعد سلسلة من الحلقات حول القراءات [...]
0 views
التاريخ المبكر للإسلام | الحلقة 120 | إشكالية التنقيط في القرآن
تحيّة محبّة واحترام لكُم مُتابعينا الكرام! كنّا قد تكلّمنا في الحلقات [...]
0 views
التاريخ المبكر للإسلام | الحلقة 119 | أقدم طبعة للمصحف
أهلًا بالمُتابعين الكرام! في الحلقة الماضية تحدّثنا عن ظهور القُرآن [...]
2 views
التاريخ المبكر للإسلام | الحلقة 118 | فوضى القراءات المختلفة في للقرآن
تحية محبّة وأخوّة لكُم مُتابعينا الكرام! في الماضية كنّا بدأنا الحديث [...]
1 views
التاريخ المبكر للإسلام | الحلقة 117 | القراءات المختلفة وعلاقتها بالقرآن
تحيّة لكُم مُتابعينا الأفاضل! في الحلقة الماضية تحدّثنا عن مفهوم [...]
0 views

Page 1 of 13

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.