برنامج “الإمام الطيب” – الحلقة 12

فضيلة الإمام “الطيّب”، من الظواهر اللافتة في العالم الإسلامي خلال هذه المرحلة، وجود فئة من المواطنين في دولة ما

يكون ولاءهم المذهبي والديني لدولة أخرى ليس إلى وطنهم ولكن إلى وطن أخر. وكأن فكرة الولاء للوطن فكرة خارج الدين أو خارج الشريعة أو لا تُقرّها الشريعة إيه تقييمك لهذا الأمر؟

الدين والشرع لا يُقرّ هذه الظاهرة أو هذا التناقص الموجود بين ولاء الإنسان لوطنه. سؤال هل الوطن له حق ولا مليهش حق؟

للأسف في كثيرون يعني يُحاولون باسم الإسلام وباسم الدين أنّ الولاء ليس للوطن.

يعني الوطن ده أنت حرّ فيه، يعني تنتمي ليه لا تنتمي ليه تخرج عليه

هنا فكرة عصرية، يعني فكرة الوطن فكرة عصرية لا تنتمي للدين

كأنها بالضبط فكرة عصرية لا تنتمي للدين، وخاصة إذا فهموها في ظل مفهوم الخلافة الذي كان سائدًا في ذلك الوقت وإن إنتمائي يكون للبلد المسلم

لا، الوطن له حقوق وما نسميه (بالمواطنة) هذا أمر موجود في الإسلام ومطلوب من المُسلم أن يكون ولاءه لهذا الوطن. ومطلوب منه أن يُدافع عنه وأن يُراق دمه دفاعًا عن هذا الوطن.

بل القرآن الكريم يعني في آيات كثيرة جدًا، بالنّسبة لبني إسرائيل «وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ» (البقرة: 84).

سوّى بين الموت والخروج

نعم، سوّى بين قتل النّفس وبين الخروج من الوطن، كأنّ الخروج من الوطن هو موت. أو يُعادل الموت

أين نجد هذا في السيرة النبويّة فضيلة الإمام، فكرة الانتماء للوطن ونعلم أنه كانت لدى الرسول عليه الصلاة والسلام مشاعر كبيرة تجاه مكّة

نعم،

كانت موطنه

فعلًا النبي صلى الله عليه وسلم عبّر عن هذا الولاء حينما خرج من مكّة مهاجرًا أو حينما أُخرِج من مكّة مهاجرًا

وحينما ترك مكّة ووقف على مشارف الطريق، بعض الروايات تقول: أنه دمعت عيناه صلى الله عليه وسلم، وقال لها: والله إنك لأحب بلادي الله إلى قلبي، ولولا أن أهلك أخرجوني منكي ما خرجت.

شوف ما أنه مأمور من الله أن يذهب إلى المدينة أن يُهاجر إلى المدينة ومع أن مكّة هي التي لم يلقى فيها إلا عذابًا وعنتًا وشدة وقسوة من أهلها

ومع أنّ مكة هي مركز للشرك ومركز للأصنام كل هذا لم يمنعه من أن يعُلن أنه يعني ما كان يرغب أن يترك ويخرج من هذا البلد

يعني أنتمي لوطني يا مولانا، حتى لو كان في أي مشاكل أي مشكلات؟

طبعًا

لا يمنعني هذا من الإحساس بالانتماء للوطن

بلادي وإن جارت علي عزيزة، وأهلي وإن ظنوا عليّ كرام

الوطن ده، لأنهم يقولون: أول تُراب يمسّ جلد الإنسان، الإنسان أول ما يخرج من بطن أمه حتى يقع على أرض بيديه الطفل الصغير. في علاقة أول شيء يمسّ جسمه خارج العلم الي كان فيه ودخل هذ العالم الجديد

دي علاقة لن تزول أبدًا، ولذلك تجد شعراء كثيرين يعني لهم قصائد في الحنين إلى الأوطان.

بل هذا أمر موجود في غرائز الحيوان مش الإنسان، ونحن نعلم أهل القرى يعني لا مؤاخذة يعني لو أخذت قطة أو أُخذ كلبة وذهبوا به بعيدًا يعني تجده بعد يومين

يعود مرة تانية

يعود مرة أخرى للمكان الي كان فيه، فهذا أمر طبيعي، أيضًا حتى المسلمين لما النبي صلى الله عليه وسلم هاجر ودخل بهم المدينة الروايات الثابتة عن سيدنا “أبو بكر” وسيدنا أنه “بلال” رضي الله عنهما، أنهما مرضا

وكان يعني وثقل عليهم الحياة في، الاغتراب حتى موجود في الحياة المعاصرة بالفرنساوي le mal du pays الي هو مرض الحنين إلى الوطن، هذا نوع من قداسة الوطن في قلب المؤمن.

فإذًا حينما يُقال: أن الوطن لا حُرمة له وبعض الناس يهزأ ويسخر من هذا، هذا ليس من الإسلام. الإسلام يُربّي المُسلم على حُرمة الوطن.

يعني إذًا من يدينون بالولاء لدولة أُخرى بسبب مذهب بسبب طائفة معندهومش ولاء للوطن الي هُمّا مُقيمين فيه ولكن بيدينوا بالولاء لدولة أخرى معندهومش مرجعية دينيّة.

ده هؤلاء يعني يسلبون أمانة الدين أو يخونون أمانة الدين لأنّ الرجل أو الأسرة الذي يأكل ويشرب ويتعلّم ويعيش على أرض وطن ويأكل من خيراته ويترعرع على أرضه

ويعمل على تخريبه من أجل ولاء لمذهب أو لطائفة أو لبلد آخر، هذه خيانة للوطن وهي خيانة لله ورسوله.

والإسلام لا يعرف هذه الخيانة بالعكس يدينها بكل الأشكال، ثم هو مبدأ خبيث لأنّ الذي يستخدم هذا هو أيضًا عنده أقليّات منتمية مذهبيًا أو عرقيًا إلى بلاد أخرى

فكما يُبيح لهؤلاء سيُباح لهؤلاء

ولو ساد

ولو ساد هذا المبدأ لا يسلم لنا بلد على الإطلاق، للأسف الشديد هؤلاء نعم قبلوا الخيانة يقبلونا ولكن لا يُبررونها باسم الإسلام

الإسلام بريء ويعُدّ هذا عملًا من أعمال، أو عملًا إجراميًا خيانيًا هو خيانة للوطن وكما قُلنا: الوطن الشرع يوجب أن يقوم المسلمون جميعًا رجالًا ونساءً للدفاع عن أرضهم

ده شيء فيه نوع من التقديس، فإذًا حينما تقول: لا أنا غير مُلزم، بل أنا أفجّر فيه وأنا مثلًا يعني أخرج على قوانينه وعلى أنظمته.

تلبيةً لدعاوى خارجيّة كما قُلت لحضرتك: هذا ليس من الإسلام، هذه خيانة للإسلام وخيانة لله ورسوله.

وبالتالي يا مولانا فكرة التعبير عن الانتماء للوطن من خلال السلام الوطني ومن خلال تحية العلم هل تتفق مع الدين أم تختلف؟

لا سيدي الفاضل، النبي صلى الله عليه وسلم كان له علم في الحروب وتجتمع حوله الناس،

هذه مواضعات الناس ومن يعني التطرّف الأبله أن يقال: أن العلم ده وثنية أو شرك. طب ما النبي صلى الله عليه وسلم عمل راية، ليحمنّ الراية فلان ويأخذن الراية فلان.  فإن مات فلان، إيه ده بقى ؟ دي وثنية دي ولا إيه؟

ما هو ده كان علم يلتف حوله الجيش الإسلامي كله ويوشفوا راح فين وجاي من فين،

 وكانوا يحرصون عليه. فإذًا كان يحرص أن يحرص هذه العصا المعلق عليها راية سوداء بعضده بعد أن تقطع يديه، ده إيه يعني إيه في إيه العل ده علشان إلى هذا الحد يُحترم ويُحافظ عليه ويُفدى بهذا

طيب نيجي نقول الوقت: منحيّش للعلم، هذا كلام يعني ده المُقدمات السوء للتطرّف والتشديد ولما نحن فيه

إذا كان الإسلام قد أقرّ مبدأ المواطنة مع اختلاف المسميّات في ذلك الوقت، لماذا فُرضت الجزية يا مولانا على غير المسلمين؟

باختصار شديد يا سيدي الفاضل

إيه حكمتها عايزيين نعرف حكمتها؟

المواطنة كما قلت لحضرتك: كانت موجودة في مجتمع المدينة ومن هنا الني صلى الله عليه وسلم لم يفرض جزية على اليهود

وحتى لم يفرض جزية على الحبشة، آسف الحبشة لم يُقاتلها وأيضًا اتفق مع اليهود ولكن اليهود حينما نقضوا العهد نشأ كتاب بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم، وانتهى إلى إجلائهم وإخراجهم. خلاص هذا الموضوع.

إيه معنى الجزية، مفهوم الجزية؟ بردو أنا هبسطوا جدا الدولة أولًا إسلامية، وهذا عقد لمُعاملة غير المسلمين في بلاد المسلمين.

عقد معناه إيه؟ عقد يقوم على الآتي: أولًا، أنّ المسلمين يدافعون عن غير المسلمين في هذا البلد. واضح؟

طيب في مقال هذا يأخذون الجزية، وأيضًا في مُقابل أنهم يلتزمون بالأحكام العامة في البلد في ما لا يخُصّ عقائدهم وشرائعهم، عقائدهم وشرائعهم متروكة لهم تمامًا.

طب هنا إيه لزوم الجزية؟ كما قلت لحضرتك: متخليها مواطنة؟ أخليها مواطنة  ماشي لكن خدل لي بالك هننسى حاجة، المواطنة بتلزمك بالدفاع عن الدولة دي

وهو ما نراه الآن

ده بشكل عام المواطنة، وذلك النبي لما عمل مواطنة مع اليهود ترك لهم دينهم وكذا وكذا، لكن الاتنين يدافعوا عن المدينة باعتبارها دولة إسلامية

إذًا المواطنة بتوجب على الطرف الآخر أن يُدافع عن الدولة الإسلامية

إيه الدولة الإسلامية؟ الإسلام، فالإسلام لا يسأل، الدولة الإسلامية لا تستطيع، أو  من الظلم أن تُلزم غير المسلمين بالدّفاع عن الإسلام لأنّه دين لا يعتقدونه

ومن الطبيعي أن لا يمكن أن يُدافع غير المُسلم عن المُسلم كما لا يستطيع المُسلم أن يدافع عن غير مسلم، لأن أنت مش بتدافع وبس أنت بتموت.

لو كانت في مواطنة سأُلزم غير المسلمين بالدافع عن الإسلام

وده السر ّفي إن مبدأ المواطنة لم يطبّق منذ البداية بديلًا عن الجزية؟

بالضبط، ولذلك لم يُطبّق، ولذلك الجزية ده نظام علشان تدخّل غير المسلمين في الدولة الإسلامية، في الدولة الإسلامية.

ادماجهم

تدمجهُم بحث أن في حالة معيّنة لا يستطيعون فيها أن يُدافعوا عن الإسلام ولا تستطيع أن تُلزمهم من غير المعقول ومن غير العدل ومن غير الانصاف

أن أُخرِج إنسان لا يومن بالدين وأقوله: موت  في سبيل أن تحمي هذا الدين

فإحنا عفاناها من هذا مقُابل الجزية

يعني إذًا الغرض الأساسي من فرض الجزية الدّفاع عن غير المسلمين في الدولة الإسلامية؟

طبعًا

البعض بيصورها على إنها..

بديل الدفاع، ولذلك خدلي بال حضرتك، مثلًا تلاحظ إلى حصل في جيش المسلمين الي هو “أبو عبيده”

أبو عبيده أهل الشام

لما أهل الشام حُشدت لهم حُشود الروم وكانوا بياخدوا الجزية من أهل الذمة.

فأبو عبيدة بعت نوابه في الجيش في الشام قال لهم: خدوا بالكم ما دام إحنا خايفين أن الروم جايين دلوقتي ردوا الجزية لأصحابها وردوا فعلًا وقالوا لهم:  إن إحنا التزمنا إن إحنا نحميكم وإن الآن تُجيّش  لنا الجيوش ونخشى أن لا نستطيع حمايتكم فأقفوا الجزية وخدوا الجزية.

 وإن نصرنا الله عليهم ونحميكم سوف نعود إلى الجزية

ووقتها لما استردوا الجزية دعوا لهم بالنصر

إذًا الجزية في مقابل أن يقوم المسلم بالدفاع أولًا عن الدولة بما فيها غير المُسلم، إذا سقط هذا النظام زي ما حدث بعد سقوط الدولة، الخلافة الإسلامية

الخلافة العثمانية

وأصبح مفيش دولة إسلامية، والعقد ده أصلًا عقد بين دولة إسلاميّة وبين مواطنين غير مُسلمين، العقد ده أصبح لا محلّ له، لأن أطرافه راحوا

صحيح يعني طرف غير المسلمين موجود لكن طرف الدولة الإسلامية غير موجود.

مرة أخرى، عقد الذّمة ده عقد الي هو الجزية بين طرفين بين طرف هي الدّولة الإسلامية وبين غير المسلمين في الدولة الإسلامية

طيب إذا سقطت الدولة الإسلامية، في طرف انتهى

لكن المهم بردو يا مولانا إن إحنا بنذكّر أن من رحمة الإسلام إنه كان في فئات معفاه من الجزية النساء والأطفال وكبار السن

كبار السن، سيدنا “عمر” يعني لما شاف الرجل العجوز وقال له: ما ألجأك إلى هذا؟ . قال الجزية. فاخذوه في بيت المال

وأخذ من بيت المال

وأعطاه وأوقفه وقال لعمّاله: انظروا هذا وإضرابه وضعوا عنه الجزية، طبعًا ده موضوع آخر الي بتكلم فيه، إيه هي الجزية؟

 لكن أن أقول: أن دائمًا يوصف الإسلام بأنّه ظالم بأنه فرض الجزية على غير المسلمين في المجتمع، لا لو كان مبدأ المواطنة موجود وفرض الجزية نعم هذا ظلم.

 لكن أنا بتعامل على اللافته الي إحنا  بنعيش تحتها كلنا مسلمين وغير مسلمين هي الإسلام.

مقدرش أقول: والله روح دافع عن الإسلام وأنت غير مُسلم، إنما أنا أدافع نيابة عنك وأحميك وأبذل دمي،  لكن أنت تدفع للدولة ضريبة أو مقابل في هذا

يبقى إذًا بوضوح شديد جدًا لماذا لم يُطبّق مفهوم المواطنة منذ البداية بديلًا عن الجزية؟

حينما طُبّق مبدأ المواطنة في المدينة لم يكن هناك جزية، لكن حينما كانت الدولة ليست المواطنة على أساس الوطن وإنّما على أساس الإسلام هنا جاءت الجزية لتقول: أن غير المُسلم غير مُلزم بالدفاع عن الإسلام

لما سقطت الدولة الإسلامية أخيرًا في عام 1924 وأصبحنا لا توجد حاجة اسمها الدولة الإسلامية، الدولة الإسلامية، العقد نفسه انحل

مولانا إيه رسالتك للشباب وهما بيروا بذرة انتمائهم للوطن في هذه المرحلة، تقول لهم إيه؟

طبعًا إنّ حب الوطن من الإيمان، كما قلت لحضرتك: أنّ الدفاع عن الوطن قرين عن الدفاع عن العقيدة، وقرين الدفاع عن الدين وقرين الدفاع عن الشرف وعن العرق

كل هذه يعني مش عايز أقول: مُقدّسات، وإنما مفاهيم تبلُغ درجة التقديس عند الإنسان المُسلم

وأنّ يعني الأكل والشرب والسكن والملبس والانتفاع في أرض ثمّ الانتماء والمحبّة لأرض أخرى هذه خيانة، خيانة للدين وخيانة للوطن.


Download text file

Al-tayed season1-12

You may also like

الحلقة الخامسة والعشرون - برنامج الآمام الطيب 2 - الآلحاد
فضيلة الإمام الأكبر، الدكتور أحمد الطيّب شيخ الجامع الأزهر اسمح لي أن [...]
22 views
الحلقة الرابعة والعشرون - برنامج الآمام الطيب 2 - التبني
فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيّب شيخ الجامع الأزهر معروف أنّ [...]
2 views
الحلقة الثالثة والعشرون - برنامج الآمام الطيب 2 - زواج القاصرات
فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيّب شيخ الجامع الأزهر من الملفات [...]
2 views
الحلقة الثانية والعشرون - برنامج الآمام الطيب 2 - حجاب المرآة ٢
فضيلة الإمام، من أين نشأ الخلاف حول فرضيّة الحجاب؟ هذا سؤال وجيه، [...]
0 views
الحلقة الحادية والعشرون - برنامج الآمام الطيب 2 - حجاب المرآة
فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيّب شيخ الجامع الأزهر لا زالت [...]
0 views
الحلقة العشرون - برنامج الآمام الطيب 2 - الطفل في الإسلام
فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيّب شيخ الجامع الأزهر. قرأت [...]
1 views
الحلقة التاسعة عشرة - برنامج الإمام الطيب 2 - الطلاق
فضيلة الإمام، إذا انتقلنا للحُكم الشرعي للطّلاق. كلّنا يعلم أنَّ [...]
0 views
الحلقة الثامنة عشرة - برنامج الإمام الطيب 2 - الأسرة
فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب شيخ الجامع الأزهر مُعدّلات [...]
0 views
الحلقة السابعة عشرة - برنامج الآمام الطيب 2 - المرأه في الإسلام
يعني أنا بهذه الصراحة اللي حضرتك بتتكلم بها. حضرتك عاوز تقول إنه في [...]
0 views
الحلقة السادسة عشرة - برنامج الآمام الطيب 2 - المرأة في الإسلام
فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيّب شيخ الجامع الأزهر الواقع أنّه [...]
4 views

Page 1 of 6

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.